الحياة بعد أمي اللولو
حين يرحل عمود بيت ما، يقفز إلى الذهن سؤال يقول: «فمن يحمل عبءَ الذاكرة؟ ومن يكتبُ سيرةَ مَن لا سيرةَ لهم في بطون الكتب؟ أولئك الذين قسّموا أجسامَهم في جسوم الناس، وخلّفوا آثارًا عميقةً تدلّ على غيرهم.. ولكنّها لا تدلّ عليهم». ذلك السؤال الثقيل الذي افتتح به الدكتور وليد سيف عمله الخالد: التغريبة الفلسطينية، فلم يزل يهزّني ويدفعني للكتابة عن أولئك الذين تركوا أثرهم الطيّب في حيواتنا نلمسه ونذوقه، فكان أقل حقّهم أن نشيعه في النّاس من بعدهم، ونحفظه لمن بعدنا. وما هذه التدوينة إلا محاولة للكتابة عن امرأةٍ قليل مثالها، كانت عمود بيت، وبنيان قوم، وبدر سماء نستضيء به. قسّمت جسمها في جسوم كثيرة، ورحلت فخلّفت آثارًا عميقةً فيما حولها ومن حولها، ولا تحكي السطور القادمة إلا طرفًا يسيرًا يسيرًا لا يفي بسيرة جدّتي لأبي، أمي لولوة بنت عبد الرحمن التركي.
كَيفَ السُلوُّ وَكُلُّ مَوقِعِ لَحظَةٍ
أَثَرٌ لِفَضلِكِ خالِدٌ بِإِزائي؟
فَعَلاتُ مَعروفٍ تُقِرُّ نَواظِري
فَتَكونُ أَجلَبَ جالِبٍ لِبُكائي
ما ماتَ مَن نَزَعَ البَقاءَ وَذِكرُهُ
بِالصّالِحاتِ يُعَدُّ في الأَحياءِ
أوّل شيءٍ تفقده حين تفقد جدّتك ليس صوتَها ولا صورتَها ولا حتى دعاءَها.. بل طمأنينتك. كنتُ إذا دخلت بيتنا وهي فيه، استقبلني شذىً أعجزُ عن تسميته، رائحة الطمأنينة إن كان لها رائحة. حتى إذا رحلت أمي اللولو -كما كنا نناديها- عرفتُ في لحظةٍ أنّ ذلك الشذى لم يكن إلا إحساس حضورها. كانت -رحمها الله- محبةً للطّيب، تدّهنُ بالعود حتى كأنّه لا آخرَ له، حتّى اختلطت رائحة دهن العود بسكون القلب والأمان الذي نحسه لأنها بيننا. فلّما هي فارقت قبل عام، بقي بيتٌ يشبه بيتنا في كلّ شيء، إلا أنّك تدخله فلا تجد ذلك الشّذى فيه، وما يلبث أن يُخبرك قلبك المضطرب أنّها رحلت.
الغريبُ في الغياب أنّه لا يأتيك دفعةً واحدة، بل يتكشّفُ على مهل كأنّه يريد أن يُريك خسارتك قطعةً قطعة حتى لا تفوتك واحدة. حين يبلغك الخبر تنكسر انكسار يُتمٍ تحسّه وتراه، تنسدّ عليك معه الدّنيا لا لضيقها، ولكنّ طرفًا لا تراه بها أعمى. في بواكير الأسبوع الأوّل تفتقد حضورها، وفي الثاني صوتَها، وفي الثالث تمدّ يدك لتُقبّل يدًا ليست هناك. ثمّ تمرّ الأيام وتتوالى المناسبات فيبدأ فقدٌ من نوعٍ آخر، أبطأ وأوجع، تكتشفُ معه كلّ يومٍ شيئًا جديدًا كانت تصنعه لا تدري أنت عنه، إلا ما ترى من أثره في حياتك ولم تكن تحسه حتى توقّف، كالهواء الذي تعتاده فلا تشعر به حتى ينقطع.
كنتُ أقربَ أحفادها إليها، ولم يكن يخفى ذلك على أحد، ولم تكن تُخفيه ولا أُخفيه بل أحب أن أستعلن به. وحبّ الجدّات لا يُشبهه شيء؛ ليس كحبّ الأمّهات الذي يأتيك مختلطًا بقلق التربية وشدة الحزم، ولا كحبّ الآباء الذي يضمر أبوك أكثره ويبدي أقله. حبّ الجدّة فيضٌ صافٍ، بلا شروط ولا حسابات، تنظر إليك فترى فيك أحسن ما فيك، ولا يعنيها بعد ذلك إلا وجودك. كنّا في بيتٍ واحد، لا يكاد يمضي يومٌ لا ألقاها فيه وأُجالسها وأُقبّل يدها فتدعو لي دعاءً أسمعُه بأذنيّ وأجدُ أثرَه في حياتي، وكل من حولها كذلك؛ تسعهم حبًا ودعاءً، وتكثر أن تقول: «القلب دكّان، وكلٍّ له مكان».
قامت أمّي اللولو على جدّي عبدالعزيز -رحمه الله- في حياته ثمّ مرضه قيامًا لا أعرف كيف أصفه، إلا أنّها كانت فيه كلّ شيء: الزوجة والممرّضة والأنيسة والسند، تحوطه وتكفيه وتواسيه. حتّى توفّي واستودعها بيتًا فيه صغارها وحياة كاملة، فحملت ما حملت، وربّتهم تربيةً ترى ثمرتها فيهم رجالًا ونساءً يمشون في الدنيا بما زرعته فيهم، وهي التي لم تملك إلا صبرها وإيمانها فصنعت منهما كلَّ شيء. كأنما عناها الشريف الرضيّ بقوله:
لو كان مثلُكِ كلُّ أمٍّ بَرّةٍ * غنيَ البنونَ بها عن الآباءِ
ثمّ جاء دورُنا نحن أحفادها، فكأنما عاشت حياتين. كانت والدتي -حفظها الله ورزقني برّها- تخرج إلى مدرستها كلّ صباح فتتسلّمنا أمّي اللولو صغارًا وتقوم على أصغر حاجاتنا، اللقمة والرعاية والدواء وفيض الحب الغامر، كأنّنا الدّنيا لها. وكم كنّا محظوظين إذ عشنا طفولةً كاملة معها، ووالدتي مطمئنّةٌ في مدرستها تعلم أنّ أولادها عند مَن هم أغلى عليها من نفسها. ثمّ كبرنا فصارت مقصدنا الأوّل إذ نعود من المدرسة فلا ندخل غرفنا حتى نقدم عليها، ونحكي لها عن يومنا، وهي تسمع وتضحك وتنصح وتدعو.
كانت -رحمها الله- أحرصَ الناس على صلة، وأحبّهم لاجتماع، لا يكادُ يمضي يومٌ لا تصل فيه أقاربها وذوي ودّها، البعيدَ قبل القريب، وبيتُها مشرعٌ للجميع بلا موعدٍ ولا استئذان، تُهلّي وترحّب كأنّها كانت تنتظرك أنت بالذات، وإن جئتَ ولم تجدها.. فبيتُها بيتُك.
لم تكن صِلتُها صلة مجاملات باردة وسؤال عام «وشلونكم، الحمد لله، سلّموا على الجميع» ولكن صلةَ اهتمام عميق صادق، يشعر الموصول معها أنه أقرب الناس وأعزّهم وأغلاهم، تسأل كلَّ أحدٍ عن شأنه بعينه، وتطمئنّ على أحبابها اطمئنانًا مفصّلًا: بنتُ فلانة المريضةُ بالإنفلونزا الموسمية، ودرجاتُ ابن فلان في اختبار لغتي الجميلة، وفلانة الحامل، وفلان الذي يبني بيتًا، والمسافر، والعريس، والمغترب. ثمّ لا تنسى أن تعاوِدُ بعد أيّامٍ فتتفقّدهم واحدًا واحدًا كأنّ تحتها مكتبَ متابعةٍ لا يهدأ ولا ينام.. قلبَها.
في الأتراح تقفُ وقوفَ خواصّ الخواصّ الذين يبقون حين ينصرف الناس. وفي الأفراح تكون -ولا تحسبني مبالغًا- أسعدَ من أصحاب الفرح أنفسهم؛ يرونه فرحًا عابرًا وتراه -من أجلهم- الدّنيا. حتى إنّها حضرت مرّةً ثلاث ولاداتٍ متتاليات في مستشفى الولادة، مرابطةً فيه يومًا تلو الآخر مع أهل كلّ مولود جديد، حتى سألتها ممرّضة عجبت من مداومتها مع حالات مختلفة فقالت: «ماما، أنتِ في شغل مستشفى؟» ولو عرفَتها معرفتنا بها لعلمت أنّ هذا شغلها في الحياة. هل تعرف ما الذي يحدث حين يرحلُ إنسانٌ هذه صلتُه؟ تصير كل مناسبة بعده عاديّة. ليس فيها تلك الروح التي كنا نعرف.
لم تكن صلة أمي اللولو بالناس إلا فرعًا من أصل. فإنّ مَن عرفها عرف أنّ أعظم صِلاتها وأوثقها كانت صلتَها بربّها سبحانه، وعندي أنّ كلّ ما رأيتَه من بِرّها بالخلق إنّما كان يفيض من ذلك الأصل فيضًا. فلا تسَل عن صَلاتها، كانت فيها آيةً، فلمّا أقعدها المرض لم يزدها العجزُ إلا حرصًا، تسأل من حولها: «هل صلّيتُ؟» مرّةً بعد مرّة، تخشى أن يكون ذهنُها قد غلبها فنسيَت. وتحرصُ على الوتر والرواتب حرصها على الفرائض، كأنّ النافلة عندها فريضةٌ لا يسع العبدَ تركُها.
أمّا قرآنُها -وهي الأمّيّة التي لا تفُكَّ الحرف- فحكايةٌ وحده. لا تراها إلا على سريرها قاعدةً تُردّد مع الشيخ الحُذيفيّ في مصحفها آيةً آية حتى تختم، فإذا ختمت عادت، تضرب من أوّل القرآن إلى آخره ومن آخره إلى أوّله، كلّما حلّت ارتحلت. كأنّما جعلها اللهُ حجّةً على كلّ متعلّم لا حظّ له من كلامه عز وجل.
أمّا أعجب حالها، فشيءٌ ما رأيتُ لها فيه نظيرًا: لسانُها. ما سمعتُها تذكرُ أحدًا بسوءٍ قطّ. وأنا لا أقول هذا تأدّبًا مع راحل ولا ثناء راثٍ يزوّق الكلام، بل شهادةً أُسألُ عنها يوم أُسأل. تمرّ الأسماء في حديثها فلا تمرّ إلا بدعاءٍ أو ثناءٍ أو عذرٍ حسَن. وإن ذُكر أحدٌ بما يكره سكتت سكوتًا يفهم منه الجميع أنّ هذا بابٌ مغلق. رأيت هذا فيها عمرًا كاملًا لم يتخلّف يومًا ولا مجلسًا. عمرًا كاملًا.
ولعل سرّ بركة دعائها راجعٌ إلى طهارة لسانها وحفظها له. فلسانٌ لا ينطق إلا بالخير حريٌّ إذا رُفع بالدعاء أن تفتّح له أبواب السماء، ولأهل بيتنا في ذلك قصصٌ يعرفونها ويتناقلونها، ويعرفُ كلّ واحدٍ منهم أنّ وراءها دعوةً منها -رحمها الله- لم تتخلّف.
هذه أمي اللولو، رحلت والحياةُ بعدها تمضي، نعم، لأنّ الحياة لا تسألُ أحدًا إذنه. لكنّها تمضي وأنا أمرّ بمجلسها فأبحث عن يدٍ أُقبّلها، وأسمعُ خبرًا سعيدًا فأبحثُ عمّن يفرح لي فرحها فلا أجد، ويمرّ في هاتفي اسمُ قريبٍ كانت تحبه فأتصل به، لعلّي أسدّ شيئًا ممّا فُتح بغيابها، وأعلمُ أنّني لن أسدّه.
رحلت -رحمها الله- بقلبٍ سليم ولسانٍ طاهر، وما يزال دعاؤها نحيا به، ووصايها تحوطنا، وشيء من سيرتها تقرؤونه. فمن يكتبُ سيرةَ مَن لا سيرةَ لهم في بطون الكتب إن لم يكتبها مَن عاش في ظلّها وعرف قيمتها؟
وما كنتِ إلا كوكبًا كان بيننا
فبان وأمسى بين أشكاله نجمْ
رأى المسكن العلويّ أولى بمثلهِ
فودّعنا جادت معاهده الرّهمْ
لـقـد فـجـعتْ منكِ الليالي نُفوسها
بـمُـحـيـيـةِ الأسحار حافظةِ العتمْ
ولـم تُـخـطـئِ الأيـام فيك فجيعة
بِـصـوَّامـةٍ فـيـهـنَّ طيَّبةِ الطِّعمْ
رجـعْـنـا وأفـردْنـاكِ غير فريدةٍ
مـن الـبِرِّ والمعروفِ والخيرِ والكرمْ
فـلا تَـعـدمـي أُنْسَ المحلِّ فطالما
عـكـفتِ وآنستِ المحاريبَ في الظُّلمْ
كـسـتْ قـبـرَكَ الغُرُّ المباكيرُ حُلَّةً
مُـفـوَّفـةً مـن صَنْعةِ الوبل والدِّيمْ
لـهـا أرجٌ بـعـد الـرُّقـادِ كـأنما
يُـحـدِّثُ عـما فيكِ من طَيِّبِ الشِّيمْ..